السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مسألة أصولية: كل ما قرأتُ في أدلة حجية الإجماع أجد ما يشكل عليَّ. أولًا: أنا فهمتُ من عدم إجماع العلماء على حجية الإجماع أن فيه دلالة وإشارة إلى عدم صحة جعل الإجماع حجة قطعية؛ لأنه كيف يكون هناك دليل من أدلة الأحكام الشرعية القطعية التي افترضها الله عز وجل مجهولًا أو مردودًا عند بعض أهل العلم الذين يتبعهم الناس؟! ألن يكون هذا ردًّا لبعض الدين؟! ثانيًا: دليل حجية الإجماع من الأدلة القطعية الثبوت هو آية واحدة فقط: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوَلِّهِ ما تولى... إلخ). والآية دلالتها ظنية وليست قطعية، وقد ناقش هذه المسألة ابن عاشور في تفسيره وضعّف الاستدلال بها على هذا النحو، ووجّه الاستدلال بها توجيهًا مختلفًا يعتمد على سياق الآية. وممن ضعّف دلالة هذه الآية أيضًا الإمام الغزالي وفخر الدين الرازي في المعالم، وكذلك ابن الحاجب. ثالثًا: الأحاديث التي استدل بها القائلون بالإجماع قليلة، وأشهرها: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وحديث: «عليكم بالجماعة»... أنا أستشكل كيف حصر العلماء قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( أمتي ) بالمسلمين المجتهدين وحذفوا سائر الأمة؟! أنا أعلم أن المراد بها هم أهل الشأن المتخصصون في كل مجال، لكن إذا أردنا أن نقيد المطلق يجب أن نأتي بدليل آخر يقيد أو بقرينة تصرف عن العموم... والدكتور عبد الكريم زيدان في الوجيز وغيره من أصحاب كتب الأصول أيضًا الذين فهموا هذا الفهم لم يذكروا قرائن وتعاليل لانصراف ذهنهم إلى ما ذهبوا إليه. ويبقى مجموع هذه الأحاديث كلها ظني الثبوت، والآية المسبوقة ظنية الدلالة، فكيف يقوم دليل حكمي شرعي قطعي على مستندات كلها ظنية؟!

فتوى رقم 4144 — محمد الضمري — 3 أكتوبر 2026

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسألة أصولية:

كل ما قرأتُ في أدلة حجية الإجماع أجد ما يشكل عليَّ.

أولًا: أنا فهمتُ من عدم إجماع العلماء على حجية الإجماع أن فيه دلالة وإشارة إلى عدم صحة جعل الإجماع حجة قطعية؛ لأنه كيف يكون هناك دليل من أدلة الأحكام الشرعية القطعية التي افترضها الله عز وجل مجهولًا أو مردودًا عند بعض أهل العلم الذين يتبعهم الناس؟! ألن يكون هذا ردًّا لبعض الدين؟!

ثانيًا: دليل حجية الإجماع من الأدلة القطعية الثبوت هو آية واحدة فقط: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوَلِّهِ ما تولى... إلخ). والآية دلالتها ظنية وليست قطعية، وقد ناقش هذه المسألة ابن عاشور في تفسيره وضعّف الاستدلال بها على هذا النحو، ووجّه الاستدلال بها توجيهًا مختلفًا يعتمد على سياق الآية.

وممن ضعّف دلالة هذه الآية أيضًا الإمام الغزالي وفخر الدين الرازي في المعالم، وكذلك ابن الحاجب.

ثالثًا: الأحاديث التي استدل بها القائلون بالإجماع قليلة، وأشهرها: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وحديث: «عليكم بالجماعة»... أنا أستشكل كيف حصر العلماء قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( أمتي ) بالمسلمين المجتهدين وحذفوا سائر الأمة؟! أنا أعلم أن المراد بها هم أهل الشأن المتخصصون في كل مجال، لكن إذا أردنا أن نقيد المطلق يجب أن نأتي بدليل آخر يقيد أو بقرينة تصرف عن العموم... والدكتور عبد الكريم زيدان في الوجيز وغيره من أصحاب كتب الأصول أيضًا الذين فهموا هذا الفهم لم يذكروا قرائن وتعاليل لانصراف ذهنهم إلى ما ذهبوا إليه.

ويبقى مجموع هذه الأحاديث كلها ظني الثبوت، والآية المسبوقة ظنية الدلالة، فكيف يقوم دليل حكمي شرعي قطعي على مستندات كلها ظنية؟!

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الجواب

أولًا: حجية الإجماع هي مستمدة من حجية الكتاب والسنة الثابتة بالعقل والنقل، والشذوذ في المخالفة له لا يستلزم رد حجيته؛ فجمهور الأمة من زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم مجمعون على حجية الإجماع، والذي خالف في ذلك هو النظام وبعض الشيعة، وهؤلاء لا يعتد بمخالفتهم. وبعضهم لم يخالف في حجيته، إنما يرى أن حجته ظنية لا قطعية.

وعندما نرى مثلًا القياس هو الدليل الرابع من أدلة الأحكام الشرعية بعد الإجماع، وهو حجة رغم مخالفة أهل الظاهر له قولًا، بينما تجد كتب ابن حزم الظاهري وغيره من أهل الظاهر مليئة بالقياس.

ثانيًا: وأما أن حجية الإجماع مبني على آية واحدة في كتاب الله عز وجل فهذا كلام غير دقيق، وكما ذكرنا أن الإجماع وحجيته معتمدة على الكتاب والسنة المطهرة، وهنا أدلة الكتاب والسنة:

١/ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ سورة النساء (الآية 115). فهذه الآية توعدت من يخالف سبيل المؤمنين؛ لأن سبيلهم وطريقهم طريق حق وهدى.

قال الإمام القرطبي: والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين.

وقال ابن كثير: ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي، رحمه الله، في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها على ذلك.

٢/ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ سورة البقرة (الآية 143). قال القرطبي: وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به؛ لأنهم إذا كانوا عدولًا شهدوا على الناس. فكل عصر شهيد على من بعده؛ فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين، وقول التابعين على من بعدهم. وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم. ولا معنى لقول من قال: أريد به جميع الأمة؛ لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة.

وقال السعدي في تفسيره: وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ.

٣/ وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء (الآية 59). قال صاحب تفسير الوسيط: لأن الأحكام إما منصوصة في الكتاب أو السنة، وذلك قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. وإما مجمع عليها من أولي الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه.

وعليه فهذه الآيات من الأدلة في كتاب الله على حجية الإجماع.

وأما أدلة السنة فهي:

قوله: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».

قوله: «سألت الله ألا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها».

قوله: «من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه».

قوله: «من سرّه أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم».

قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم...» الحديث، رواه الترمذي.

قوله: «من فارق الجماعة فمات إلا مات ميتة جاهلية».

قوله: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب».

وأخيرًا حديث ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن».

وهذه الأدلة وإن كانت ظنية الورود لكنها بمجموعها تفيد العلم الضروري، وقد قال الإمام الشاطبي: أن دليل الإجماع قطعي بمجموعه، وإن كانت آحاده ظنية.

والشريعة الغراء تعمل بغلبة الظن في معظم أحكامها وليس بالقطع؛ لأن القطع متعذر في كثير من المسائل. والله ولي الهداية والتوفيق.

والله أعلم.