السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما حكم الإسلام في المعارك الدائرة في اليمن؟
فتوى رقم 4099 — أمين جعفر — 14 سبتمبر 2026
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما حكم الإسلام في المعارك الدائرة في اليمن؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جوابا على السؤال
نظرا لكثرة الخوض في حكم قتال وجهاد الحوثيين أعيد نشر فتوى كتبتها في مارس عام 2021 وذلك لأهمية الحدث وتحرير الحكم الشرعي فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ،،، وبعد:
بينما تقف الأمة صفاً واحداً على كلمةٍ سواء في وجوب جهاد وقتال الرافضة المجرمين وصدّ عاديتهم ودفع صيالهم على أهل السنة والجماعة في دينهم وعقيدتهم وأنفسهم وأموالهم وأخلاقهم وأعراضهم وعقولهم وثقافتهم ثمة أصواتٌ نشاز انحازت عن المعركة واتخذت موقف الحياد وأخذت تلبس عجزها جبة الحكمة، وتذود عن تقاعسها بما يسمى "فقه التبرير" أو "التبرير الفقهي" تحت دعوى أنَّ هذا القتال ليس بشرعي؛ كون صحة الراية شرطٌ حتى في جهاد دفع الصائل، وأنَّ نفس الموحد غالية فلا يبذلها إلا على أنصع من البياض، ويتأيدوا بكلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمة لم يحسنوا فهمه حقَّ فهمه.
وأقول: هذا الكلام كلامٌ باطلٌ فاسد، كلام من لا يدري الفقه ولا أصوله، ولا مقاصد الشرعية وقواعدها الفقهية، ولا فقه الشرع ولا فقه الحال، ولا يعرف مواطن الإجماع ولا محال النزاع، ولا فقه نصوص الشريعة ولا فهم كلام أهل العلم، وبطلان هذا الكلام من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ أعظم مقاصد الشريعة الحفاظ على الضرورات الخمس = الدين والنفس والعرض والعقل والمال، وصيانتها عن كلِّ ما يتلفها كليّاً أو جزئياً، ومما لا يخفى فساد الحوثيين الروافض وإفسادهم للضرورات الخمس، فقد طغوا في البلاد وعاثوا في اليمن وأكثروا فيها الفساد، واعتدوا على أديان المسلمين وعقائدهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأموالهم بل وحتى أعراضهم؛ ولذا وجب جهادهم قتالهم حفاظاً على الضرورات الخمس وذبّاً عنها ودفعاً لصيالهم عليها.
الوجه الثاني: أنَّ الشريعة الإسلامية جاءت لجلب المصالح وتكميلها وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وعند تزاحم المصالح يُقدم أعلاها ولو أدى لتفويت أدناها، فيُعرف خير الخيرين فيُعمل به ولو فات ما دونه من خير، وعند تزاحم المفاسد ترتكب المفسدة الصغرى لدرء المفسدة الكبرى، وتحتمل أدنى المفاسد لتفويت أعلاها، ويُعرف شرُّ الشرين فيُترك ولو ارتكب ما دونه من شرّ ..
ومعلومٌ أنَّ الحوثيين الروافض أعظم انحرافاً في العقائد وأشدُّ ضلالاً وأكثر فساداً في الأرض وشرُّ صيالاً على الدين والنفس والعرض وأظلم وأطغى وأبغى؛ فوجب جهادهم وقتالهم درءً لفسادهم وشرّهم، فبجهادهم وقتالهم تتحقق المصالح الشرعية وتكتمل وتدرء المفاسد كلها أو تخفّ وتقلّ.
الوجه الثالث: أنَّ جهاد وقتال الصائل ووجوب دفعه مشروعٌ بالنصّ والإجماع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: (وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أنَّ الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل ... فكيف بقتال هؤلاء [يعني: التتار] الخارجين عن شرائع الإسلام المحاربين لله ورسوله الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم، فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنّة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين: في أنفسهم وأموالهم وحرمهم ودينهم. وكلٌّ من هذه يبيح قتال الصائل عليها. ومن قتل دونها فهو شهيد فكيف بمن قاتل عليها كلها). [مجموع الفتاوى (28/ 540 - 541)].
وقال أيضاً: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان. وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم). [الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 538)].
فدفع الصائل المعتدي لا يحتاج إلى شروط جهاد الطلب ولا إلى وضوح الراية؛ لأنَّه جهاد دفع ومعلومٌ أنَّ جهاد الدفع لا يشترط له شرطٌ = لا الراية ولا الإمام ولا الجماعة ولا الأمير ولا غيرها .. كما هو مقررٌ عند العلماء.
وليس معنى ذلك عدم السعي لتحقيقها وإيجادها، وإنَّما المراد أنْ لا يكون عدم وجودها مانعاً من الجهاد والقتال دفعاً لصيال الصائلين وعدوان المعتدين، فضلاً عن أنْ يكون ذلك مدعاةً لعدِّ هذا الجهاد والقتال جهاداً غير شرعي.
الوجه الرابع: أنَّه ليس من شرط الجهاد أنْ لا يكون إلا مع الأبرار؛ فإنَّ من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كلِّ برٍّ وفاجر؛ لما في ترك الجهاد من استذلالٍ للإسلام والمسلمين، واستباحةٍ لحرمات الإسلام والمسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإنْ اتفق من يقاتلهم [أيْ: التتار] على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله، وإعزاز كلمته، وإقامة دينه، وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأنْ يكون يقاتل على الرياسة، أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه = كان الواجب أيضاً قتالهم دفعاً لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما؛ فإنَّ هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها.
ولهذا كان من أصول أهل السنَّة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر؛ فإنَّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوامٍ لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنَّه لا بد من أحد أمرين: إمّا ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإمّا الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإنْ لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكلِّ ما أشبهها؛ بل كثيرٌ من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه). [مجموع الفتاوى (28/ 506 - 507)].
وقال أيضاً: (وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلقٍ كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين؛ وذاك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأمَّا بالنسبة إلى الكفار فهو خير). [مجموع الفتاوى (13/ 96)].
والمقصود أنَّ جهاداً وغزو فيه شيءٌ من المفاسد ولكن يتحقق معه نفعٌ وخير أفضل من عدمه.
الوجه الخامس: من المعلوم أنَّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، وأنَّ من شرط الحاكم والمفتي الأهلية لذلك بالتحقق بفقه الشرع وفقه الواقع، قال أبو المعالي الجويني: (لست أعرف خلافاً بين المسلمين أنَّ الشرط أنْ يكون المستنابُ لفصل الخصومات والحكومات فطناً متميزاً عن رعاع الناس، معدوداً من الأكياس، ولا بد من أنْ يفهم الواقعة المرفوعة إليه على حقيقتها، ويتفطن لموقع الإعضال، وموضع السؤال، ومحل الإشكال منها). [غياث الأمم (ص: 300 - 301)]. وقال ابن القيم: (فها هنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس). [الطرق الحكمية ط عالم الفوائد (1/ 7)].
ومن يعرف حقيقة الحال يعلم يقيناً أنَّ الحوثيين أداة ضمن مشروع صفوي رافضيٍّ كبير، وأنَّ هدف هذا المشروع هو تمكين الأقليات الشيعية من الحكم والسيطرة على الغالبية السُّنّية؛ ليستذلوهم ويقهروهم، وليفسدوا دنياهم ودينهم، بكلِّ ما أوتوا من قوةٍ، وبما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل العلم بالأحوال: أنَّ أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة ممن ينتسب إليها، وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة: إنَّما هو من الطوائف المنتسبة إليهم.
فهم [أيْ: الروافض] أشدُّ ضرراً على الدين وأهله، وأبعد عن شرائع الإسلام من الخوارج الحرورية؛ ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة. فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذباً ولا أكثر تصديقاً للكذب وتكذيباً للصدق منهم، وسيما النفاق فيهم أظهر منه في سائر الناس). [مجموع الفتاوى (28/ 479)].
الوجه السادس: أنَّ مثل هذه الشبهة قد سبقت من قبل وردها أهل العلم بقوةٍ وحزم، ففي عهد دولة بني العباس، والتي كان حالها في بعض فترات حكمها، كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: (فإنَّ الإمام أحمد -مثلاً- قد باشر " الجهمية " الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذْ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتكونه من عدو، ولا يعطونه شيئاً من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة، ولا فتيا، ولا رواية، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة، والافتكاك من الأسر وغير ذلك. فمن أقرَّ بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومن لم يقرَّ به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان، ومن كان داعياً إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه. ومعلومٌ أنَّ هذا من أغلظ التجهم، فإنَّ الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب). [مجموع الفتاوى (12/ 488)].
وقال أيضاً: (وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كان [أيْ: الإمام أحمد] يكفر أعيانهم فإنَّ الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إنَّ القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وغير ذلك. ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم. حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقرَّ بقول الجهمية: إنَّ القرآن مخلوق وغير ذلك. ولا يولون متوليا ولا يعطون رزقا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك). [مجموع الفتاوى (23/ 348)].
ومع هذا كلّه لما خرجت الخُرَّميَّة -وهي فرقةٌ باطنيةٌ- بقيادة بابك الخُرَّمي الزنديق، دعا الإمام أحمد بن حنبل إلى جهادهم وقتالهم، وكتب بذلك إلى العلماء والأمراء: فمن ذلك كتابه إلى الإمام علي بن المديني، والذي يقول فيه: ( .. كتبت إليك، رحمك الله، في أمرٍ لعله أنْ يكون قد بلغك من أمر هذا الخُرَّميّ الذي قد ركب الإسلام بما قد ركبه به من قتل الذرية، وغير ذلك، وانتهاك المحارم، وسبي النساء، وكلمني في الكتاب إليك بعض إخوانك رجاء منفعة ذلك عند من يحضرك ممن له نية في النهوض إلى أهل أردبيل والذبّ عنهم وعن حريمهم، ممن ترى أنَّه يقبل منك ذلك، فإنْ رأيت، رحمك الله، لمن حضرك ممن ترى أنَّه يقبل منك، فإنَّهم على شفا هلكةٍ، وضيعةٍ، وخوفٍ من هذا العدو المظلّ، كفاك الله وإيانا كلَّ مهم ..). [السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 147)].
وكتب أيضاً إلى والي البصرة يحرضه على الجهاد، قال حسين الصائغ: (لما كان من أمر بابك، جعل أبو عبد الله -أحمد بن حنبل- يحرض على الخروج إليه، وكتب معي كتاباً إلى أبي الوليد والي البصرة يحرضهم على الخروج إلى بابك). [السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 148)].
وحدّث محمد بن مشيش، أنّه سأل أبا عبد الله: إذا استغاث من العدو من مثل بابك ونحوه إلى أهل هذه المدينة، يجب على أهل هذه المدينة أنْ يخرجوا؟ قال: "يجب على من هو في القرب أول فأول، قيل: فإنْ لم يغيثوا؟ قال: إذاً ضيعوا ما عليهم". [السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 149)].
وهذا الموقف الجليل من الإمام أحمد بن حنبل مع أنَّ من أبرز قواد الجيوش ضد بابك الخرمي إسحاق بن إبراهيم والي بغداد، والذي باشر امتحان العلماء بمسألة خلق القرآن، وقام على جلد الإمام أحمد، إلا أنَّ الإمام أحمد فقه أنّ شرَّ بابك الخرمي وفساده في الأديان والأعراض أشدُّ وأنكى؛ فأفتى بوجوب جهاده وقتاله مع ذلك كلّه، ولهذا لما سئل: عن غزو بابك؟ قال: "ما أعرف أحداً كان أضرَّ على الإسلام منه، الفاسق". [السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 148)].
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل لما قعد أقوامٌ عن الغزو وجهاد الكفار، واحتجوا بحججٍ من نزغ الشيطان، أغلظ عليهم الإمام أحمد القول، وبيّن فساد ما ذهبوا إليه، قال ابن هانئ: (سألت أبا عبد اللَّه عن القوم يكونون بطرسوس، فيقعدون ولا يغزون، ويحتجون يقولون: متى ما غزونا، إنَّما نوفر الفيء على ولد العباس.
قال أبو عبد اللَّه: هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة، هؤلاء جهال، وإنْ لم يكونوا يعلمون، ولا لهم علم بالعلم، فيقال لهم: أرأيت لو أنَّ طرسوس وأهل الثغور جلسوا عما جلسوا عنه هؤلاء، أليس كان قد ذهب الإسلام؟ هؤلاء قوم سوء). [مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ (رقم: 1612)].
وقد حدث شيءٌ قريبٌ من هذا من قبل في عهد دولة بني أمية، حيث قال أقوامٌ: لا جهاد مع بني مروان لما كان منهم من الظلم والجور في حقّ الله تعالى وحق الناس، خاصةً زمن الحجاج بن يوسف، فبلغ ذلك الإمام إبراهيم النخعي، فقال: "إنْ عرَّض به إلا الشيطان ليُثبِّطهم عن جهاد عدوهم". [خرَّجه سعيد بن منصور في سننه (2371)، وابن أبي شيبة في المصنف (34062)].
الوجه السابع: توضيح ما اشتبه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: قال شيخ الإسلام: (حتى إنَّ العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا، كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنَّه كان قد قضى أنَّ العسكر ينكسر لأسبابٍ اقتضت ذلك، ولحكمة كانت لله عزَّ وجل في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي؛ الذي أمر الله به ورسوله، ولما يحصل في ذلك من الشرِّ والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة؛ لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثيراً من المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالاً شرعياً أُجروا على نياتهم.
فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله والاستغاثة به، وأنَّهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بمَلَكٍ مقرّب ولا نبيٍّ مرسل، كما قال تعالى يوم بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}، ورُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم بدر يقول: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث"، وفي لفظ: "أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحدٍ من خلقك".
فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم؛ نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً؛ لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً، لما صح من تحقيق توحيده وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإنَّ الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.). [الاستغاثة في الرد على البكري (ص: 629-633). تحقيق: عبدالله دجين السهلي. طبعة: دار الوطن].
أقول: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هنا متوجه على حال طائفة من المقاتلين وما كانوا عليه من الشرك بالله تعالى، وأنَّ هذه الحال حال غير شرعية، لا على أنَّ جهاد وقتال التتار غير مشروع، فإن لشيخ الإسلام من الفتاوى ملئ السمع والبصر في مشروعية ووجوب جهاد وقتال التتار، ولكن مقصوده ههنا بيان أهمية تصحيح الحال المقتضي لاستحقاق النصر من تحقيق التوحيد، وصدق الاستقامة، وإخلاص النية لله، وأن يكون مقصود الجهاد أنْ تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وأنْ يكون الدين كله لله لا بعضه لله وبعضه لغير الله، وغير ذلك من المعاني الشرعية، وأنَّ من أخلَّ بأصل الدين = التوحيد، وأشرك مع الله غيره فقد حبط عمله، ولا ينال ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة، وهذا الأمر وهو الاستغاثة بغير الله والاعتقاد في القبور والأموات أكبر أسباب انتفاء النصرة المطلوبة ولحوق الهزيمة بالمسلمين.
قال شيخ الإسلام: (وكان هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضي، وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضي بذنوب ظاهرة وخطايا واضحة: من فساد النيات، والفخر والخيلاء، والظلم والفواحش، والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغي على كثيرٍ من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم، وكان عدوهم في أول الأمر راضياً منهم بالموادعة والمسالمة، شارعاً في الدخول في الإسلام، وكان مبتدئا في الإيمان والأمان، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثيرٍ من أحكام الإيمان، فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أنْ ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحص الله الذين آمنوا وينيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام، فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشرِّ الكبير ما لو يقترن به ظفرٌ بعدوهم - الذي هو على الحال المذكورة - لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف). [مجموع الفتاوى (28/ 431 - 432)].
وختاماً: نقول -لمن يقول بأنَّ جهاد وقتال الحوثيين غير شرعي، ويتعلل بشيءٍ من الاعذار والتعلّات-: إنْ هذا إلا نزغٌ من نزغ الشيطان عرّض بها لهؤلاء القوم ليُثبطهم عن جهاد عدوهم. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
فتاوى ذات صلة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يوم القيامة هو يوم مخصص لنهاية الوجود البشري في الكون وبقاء الكون… أم هو نهاية الكون…
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يوم القيامة يوم لنهاية الكون وبداية حياة جديدة أخرى، قال تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾؛ وقال تعالى: ﴿إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت
خبيب العريفي — 20 سبتمبر 2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يجوز تسمية الإيرانيين بالمجوس؟ ولماذا؟ البعض يسمّونهم مجوسًا وهم مسلمون، فمن أين…
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأصول التي تُبنى عليها المسألة: - المجوس اسمٌ لدينٍ قديمٍ عُرف به عبدةُ النار وأتباع الديانة المجوسية، وقد ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَ
عبدالله إسماعيل — 18 سبتمبر 2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما حكم العمليات الاستشهادية؟ بمعنى لبس متفجرات، والدخول إلى أوساط العدو، والتفجير لقتل…
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فالعمليات الاستشهادية في أصلها انتحار، والانتحار حرام ولا خلاف في ذلك عند المسلمين. لكن بعض أهل العلم نظر إلى النكاية بالعدو، وكون المضحي بنفسه يستهدف جماعة كبيرة
محمد مفتاح — 17 سبتمبر 2026